السيد حسين بن محمدرضا البروجردي
57
تفسير الصراط المستقيم
وثالثا : أنّه إذا كان مشتملا على المحكم والمتشابه افتقر الناظر فيه إلى الاستعانة بدليل العقل ، وحينئذ يتخلَّص عن ظلمة التقليد ، ويصل إلى ضياء الاستدلال والبيّنة ، أمّا لو كان كلَّه محكما لم يفتقر إلى التمسّك بالدلائل العقلية فحينئذ كان يبقى في الجهل والتقليد . ورابعا : أنّه لاشتماله على الأمرين افتقر الناظر فيه إلى تعلَّم طرق التأويلات وترجيح بعضها على بعض ، وافتقر في تحصيل ذلك إلى تعلَّم علوم كثيرة من علم اللَّغة والنحو وعلم أصول الفقه ، ولو لم يكن الأمر كذلك ما كان يحتاج الإنسان إلى تحصيل هذه العلوم الكثيرة ، فكان إيراد هذه المتشابهات لأجل هذه الفوائد الكثيرة . وخامسا : وهو السبب الأقوى ( عنده ) في هذا الباب أنّ القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواصّ والعوامّ بالكليّة ، وطبائع العوام تنبو في أكثر الأمر عن إدراك الحقائق ، فمن سمع من العوامّ في أوّل الأمر إثبات موجود ليس بجسم ، ولا بمتحّيز ، ولا مشار إليه ، ظنّ أنّ هذا عدم ونفي ، فوقع في التعطيل فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالَّة على بعض ما يناسب ما يتوهّمونه ويتخيّلونه ، ويكون ذلك مخلوطا بما يدّل على الحقّ الصريح ، فالقسم الأوّل وهو الَّذي يخاطبون به في أوّل الأمر يكون من باب المتشابهات ، والقسم الثاني وهو الَّذي يكشف لهم في آخر الأمر وهو المحكمات ، فهذا ما حضرنا في هذا الباب واللَّه اعلم بمراده « 1 » . هذه الوجوه وإن سبقه غيره من المفسّرين في جلَّها أو كلَّها بل يوجد في كلام بعض المفسّرين منّا إلَّا أنها غير حاسمة لمادّة الأشكال ، بل منها ما يؤيّد أصل السؤال ، لضعف الأوّل بأن الوصول إلى الحق حينئذ متعسّر بل
--> ( 1 ) التفسير الكبير تأليف الفخر الرازي ج 7 ص 172 .